ابن عجيبة
260
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : تفريق المواعظ في الأيام ، شيئا فشيئا ، أبلغ وأنفع من سردها كلها في يوم واحد . وفي الحديث : « كان صلى اللّه عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة ، مخافة السآمة علينا » « 1 » ، والتخول : التعاهد شيئا فشيئا . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر من آمن به وعرف قدره ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 52 إلى 55 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ( 53 ) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 54 ) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ( 55 ) قلت : ( الذين ) : مبتدأ ، ( وهم به ) : خبر . يقول الحق جل جلاله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ ؛ من قبل القرآن هُمْ بِهِ أي : القرآن يُؤْمِنُونَ ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ، أو : النجاشي وقومه ، أو : نصارى نجران ، الذين قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة ، وهم عشرون رجلا ، فآمنوا به . قال ابن عطية : ذكر هؤلاء مباهيا بهم قريشا . ه . أي : فهم الذين يقدرون قدر هذا الكتاب المنزل ؛ لما معهم من العلم الذي ميزوا به الحق ، ولذلك قال : وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا ؛ لما عرفوا في كتابهم من نعت النبي صلى اللّه عليه وسلم وكتابه ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ ؛ من قبل القرآن ، أو : من قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، مُسْلِمِينَ ؛ كائنين على دين الإسلام ، مومنين بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . فقوله : إِنَّهُ : تعليل للإيمان به ؛ لأن كونه حقا من عند اللّه حقيق بأن يؤمن به . وقوله : إِنَّا : بيان لقوله : آمَنَّا ؛ لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد أو بعيده ، فأخبروه بأن إيمانهم به متقادم . أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ؛ بصبرهم على الإيمان بالتوراة ، والإيمان بالقرآن ، أو : بصبرهم على الإيمان بالقرآن ، قبل نزوله وبعده ، أو : بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب . وفي الحديث : « ثلاثة
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( العلم ، باب ما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يتخولهم بالموعظة . . ح 68 ) ، ومسلم في ( صفات المنافقين ، باب الاقتصاد في الموعظة ، 4 / 2172 ، ح 2821 ) من حديث سيدنا عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه .